السيد محمد باقر الصدر

128

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

يدخل غني إلى ملكوت اللَّه « 1 » . ونجد الماركسية أحياناً أخرى تشرح تفسيرها الطبقي للدين بطريقة ثانية ، فتزعم أنّ الدين نابع من أعماق اليأس والبؤس اللذين يملآن نفوس الطبقة المضطهَدة . فالمضطهَدون هم الذين ينسجون لأنفسهم الدين الذي يجدون فيه السلوة ، ويستشعرون في ظلّه الأمل . فالدين إيديولوجية البائسين والمضطهَدين ، وليس من صنع الحاكمين . ومن حسن الحظّ أن نعلم من تأريخ المجتمعات البدائية : أنّ الدين ليس من الظواهر الفكرية للمجتمعات الطبقية فحسب ، بل إنّ المجتمعات البدائية التي تحسبها الماركسية تعيش في حالة شيوعية لا طبقية قد مارست هذا اللون من التفكير ، وظهرت فيها العقيدة الدينية بأشكال شتّى . فلا يمكن أن يفسّر الدين تفسيراً طبقياً ، أو أن يعتبر انعكاساً عقلياً لظروف الاضطهاد التي تحيط بالطبقة المستغَلّة ، ما دام قد وجد في حياة الإنسان العقلية قبل أن يوجد التركيب الطبقي ، وقبل أن يغرق الوادي بدموع البائسين والمستغَلّين ، فكيف تستطيع الماركسية بعد هذا أن تجعل من الوضع الاقتصادي أساساً لتفسير الدين ؟ ! وهناك شيء آخر ، فإنّ الدين إذا كان إيديولوجية المضطهدين النابعة من واقعهم السيّء وظروفهم الاقتصادية - كما تزعم الماركسية في طريقتها الثانية في التفسير - فكيف يمكن أن نفسّر وجود العقيدة الدينية منفصلة عن الواقع السيء وظروف الاضطهاد الاقتصادي ؟ ! وكيف أمكن لغير المضطهَدين أن يتقبّلوا من الطبقة المضطهدة إيديولوجيّتها التي نبعت من واقعها الاقتصادي ودينها الذي تبشّر به ؟ !

--> ( 1 ) الكتاب المقدّس ، إنجيل مرقس 10 : 75